المؤتمر في سطور
استضافت الرياض، بين 31 أغسطس و3 سبتمبر 2026، النسخة الخامسة من مؤتمر LEAP، أحد أضخم التجمعات التقنية في العالم، تحت شعار “إلى عوالم جديدة”، وذلك في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات بمنطقة ملهم شمال العاصمة. نظّمت الحدث وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بالتعاون مع الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز وشركة “تحالف”، واستمر على مدار أربعة أيام حافلة بالجلسات والعروض والصفقات.
الأرقام وحدها تكشف حجم الحدث؛ إذ شارك أكثر من 1,289 مستثمراً يمثلون نحو 1,016 شركة، بإجمالي أصول مُدارة تجاوزت 14.5 تريليون دولار أمريكي، إلى جانب توقعات باستقطاب أكثر من 200 ألف زائر ومختص من مختلف أنحاء العالم. وامتدت فعاليات المؤتمر إلى خارج قاعاته عبر برنامج “LEAP Nights”، الذي شمل نحو 60 فعالية في أكثر من 15 موقعاً حول الرياض، جامعاً بين الأعمال والثقافة والترفيه.
تنوّعت محاور المؤتمر بين الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق، والأمن السيبراني وحماية البنية التحتية، وتقنيات الفضاء والأقمار الصناعية، والواقع الممتد والميتافيرس، والطاقة والتقنيات الناشئة، مع منصة “DeepFest” المخصصة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ونظام توفيق ذكي عبر تطبيق المؤتمر يربط المستثمرين بالمؤسسين والشركات الناشئة.
من حدث تقني إلى منصة لاستشراف المستقبل
منذ انطلاقته عام 2022، لم يعد “ليب” مجرد معرض تقني تُعرض فيه أحدث الأجهزة والتطبيقات، بل تحوّل تدريجياً إلى ما يشبه مختبراً سنوياً لاستشراف المستقبل، تجتمع فيه الحكومات والشركات والمستثمرون لقراءة اتجاهات العقد القادم قبل وقوعها. وهذا بالضبط ما يجعل الربط بين هذا النوع من المؤتمرات ومفهوم “استشراف المستقبل” (Foresight) أمراً طبيعياً لا تكلّفاً؛ فالاستشراف ليس تنجيماً، بل منهجية منظمة لرصد الإشارات المبكرة للتغيير، وفهم القوى الدافعة له، وبناء سيناريوهات بديلة للتعامل معه.
حين يجتمع أكثر من ألف مستثمر يديرون تريليونات الدولارات، إلى جانب مبتكرين وشركات ناشئة من عشرات الدول، في مكان واحد لمناقشة الذكاء الاصطناعي والفضاء والأمن السيبراني، فإن ما ينتج عن ذلك ليس فقط صفقات وإعلانات، بل أيضاً خريطة اتجاهات (Trend Map) تساعد صنّاع القرار على فهم:
- إلى أين تتجه استثمارات رأس المال الجريء عالمياً؟
- ما التقنيات التي انتقلت من مرحلة التجريب إلى مرحلة التبني الفعلي؟
- ما المخاطر الناشئة (سيبرانية، تنظيمية، أخلاقية) التي يجب الاستعداد لها؟
من الاستشراف إلى التخطيط الاستراتيجي: كيف تُترجم المؤشرات إلى قرارات؟
القيمة الحقيقية لمؤتمر بحجم “ليب” لا تكمن في حضوره فقط، بل في كيفية تحويل ما يُطرح فيه إلى مدخلات فعلية للتخطيط الاستراتيجي، سواء على مستوى الدول أو المؤسسات أو الشركات الناشئة. ويمكن تلخيص هذا الجسر بين الاستشراف والتخطيط في ثلاث خطوات مترابطة:
1. رصد الإشارات (Signal Scanning) كل جلسة أو إعلان في المؤتمر — من صفقة استثمارية في الذكاء الاصطناعي إلى إطلاق منصة جديدة للفضاء أو السيبرانية — هو بمثابة “إشارة” على اتجاه أوسع في السوق العالمية. المؤسسات التي تحضر هذه الفعاليات بعقلية استشرافية لا تكتفي بالمشاهدة، بل توثّق هذه الإشارات وتقارنها بمؤشرات سابقة لتحديد الأنماط المتكررة.
2. بناء السيناريوهات اجتماع هذا الكم من الفاعلين في مجالات متقاطعة (تقنية، استثمار، طاقة، أمن) يتيح بناء سيناريوهات مستقبلية متعددة: ماذا لو تسارع تبني الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي؟ ماذا لو ازدادت المخاطر السيبرانية مع توسع إنترنت الأشياء؟ هذه الأسئلة، حين تُطرح بشكل منهجي بعد المؤتمر، تتحول من نقاش عابر إلى أداة تخطيط.
3. الترجمة إلى خطط قابلة للتنفيذ الخطوة الأخيرة والأهم هي تحويل هذا الفهم المستقبلي إلى أهداف استراتيجية محددة: أولويات استثمار، شراكات تقنية، برامج تطوير مهارات، أو تعديلات في السياسات التنظيمية. وهذا ما يفسّر ارتباط مؤتمر “ليب” المباشر برؤية السعودية 2030 وسعيها لتكون مركزاً عالمياً للتقنية والابتكار؛ فالمؤتمر لا يُقام بمعزل عن استراتيجية وطنية، بل كأداة تنفيذية لها.
لماذا يهم هذا صانع القرار وليس فقط المهتم بالتقنية؟
قد يبدو مؤتمر تقني كهذا بعيداً عن اهتمامات المخطط الاستراتيجي في قطاعات غير تقنية، لكن الواقع عكس ذلك تماماً. فالتقنيات التي نوقشت في “ليب 2026” — من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الأمن السيبراني والفضاء — لم تعد شأناً قطاعياً محصوراً، بل عوامل تُعيد تشكيل نماذج الأعمال في التعليم والصحة والطاقة والخدمات المالية على حد سواء. أي مؤسسة تغفل متابعة هذه الإشارات المبكرة تجازف بأن تجد نفسها، بعد سنوات قليلة، في موقع اللحاق بدل الريادة.
خلاصة
مؤتمر “ليب 2026” ليس مجرد معرض تقني عابر، بل نموذج حي على كيف يمكن لحدث كبير أن يتحول إلى منصة استشراف جماعي، تُجمَع فيه الإشارات من مختلف أنحاء العالم في مكان واحد وزمن واحد. والفارق بين من يحضر هذا النوع من الفعاليات كمتفرج، ومن يحضرها كصانع استراتيجية، هو تحديداً القدرة على تحويل ما يُشاهَد إلى ما يُخطَّط له — أي تحويل “الاستشراف” من ممارسة فكرية إلى أداة تخطيط استراتيجي ملموسة تُبنى عليها القرارات.